على تويتر على الفيسبوك الخلاصات

أنت الان على ( بوابة الطالب المصري ) نحن سعداء بتواجدك معنا ..و نتمنى لك قضاء وقت ممتع :)

كتاب الايام طه حسين الجزء الثاني مذكرة الفصيح للصف الثالث الثانوي 6


كتاب الايام طه حسين الجزء الثاني من 1 الى 4

(1)من البيت الأزهر

قضى الصبي في القاهرة أسبوعين أو أكثر وهو لا يعلم من أمره شيء سوى انه ترك الريف واتجه إلى القاهرة , ليطيل المقام فيها مختلفا(مترددا) إلى العلماء, فهو يقضي بذلك أحد أطوراه (أحوال وهيئات) الثلاث التي يتخيلها ولا يحققها .
الطريق إلى بيت الصبي :
كان الصبي يسكن بيتا غريبا, ويسلك إليه طريقا غريبا أيضا , فهو يميل إلى اليمين إذا عاد من الأزهر, فيدخل من باب يفتح في النهار ويغلق في الليل, وتفتح في وسطه فجوة(فتحة) ضيقة بعد صلاة العشاء.
وإذا تجاوز هذا الباب يشعر عن يمينه بحرٍّ خفيف يبلغ (يصل) إلى صفحة (ناحية) وجهه اليمنى مصحوبا بدخان يصل إلى خياشيمه (أقصى أنفه/م خيشوم). وأحس من نفس المكان على يمينه بصوت غريب يثير العجب في نفسه كلما سمعه, ولكنه ينكره(يجهله) ويستحي (يخجل) أن يسأل عنه, ولعل السبب في ذلك هو فقده لبصره وانشغال قائده باختيار المناطق المستقرة في الطريق ليسهل عليه العبور فاستحى أن يسأله, ويبدو أنه شعر بأن مصدر هذا الصوت معلوم للجميع فاستحى أن يظهر جهله به وعجزه عن معرفة ماهيته, ولكنه بعد أيام علم من أحاديث الناس بأن ذلك الصوت هو صوت قرقرة الشيشة, التي يدخنها تجار الحي ويُعدها لهم صاحب المقهى, وعلم أيضا أنها سبب ذلك الحر والدخان الذي كان يشعر بهما إذا دخل من باب الحي .
ثم يمضي الفتى في حذر شديد فالأرض لم تكن مستقرة, لأن صاحب المقهى كان يكثر من صب الماء أمامه, ثم يتجه إلى طريق آخر مكشوف ولكنها ضيقة وتنبعث منها روائح غريبة تكون خفيفة أول النهار وتكون شديدة عنيفة حينما يتقدم النهار وتشتد حرارة الشمس
وقلما (قليل ونادرا) كان الطريق يستقيم أمامه فقائده كان ينحرف (يميل) به ذات اليمين وذات الشمال لتفادي العقبات التي أمامه, كما كان يصف له الأبنية المرصوصة على جانبي الطريق, والصبي مازال يشم تلك الروائح الكريهة وكأنها تتجمع فوق رأسه كالسحاب المتراكم (المجتمع بعضه إلى بعض).
أصوات في الطريق:
وكان يسمع في الطريق إلى البيت كثيرا من الأصوات المختلفة, فمرة يسمع أصوات النساء يتخاصمن, وأوات الرجال يتنادون في عنف, ويتحدثون في رفق, وأصوات الأثقال تحط وتُعتل (تُحمل), وكذلك يسمع صوت السقا وهو يبيع الماء, وصوت الحوذي (سائق العربة) وهو يزجر (يصيح بشدة) حماره أو فرسه, وكذلك صوت العربة تئز عجلاتها أزا (صوت ناتج عن شدة الحركة والغليان مصدرها أزا وأزيزا) , وربما شق هذه الأصوات صوت نهيق الحمار أو صهيل الفرس .
حال الفتي في الطريق للبيت:
كان الفتى كلما مضى إلى البيت فإنه يسير مشرد الذهن (مفرق, وغير منتبه), وقد أغفل (نسي) كل شيء حوله, ولكنه سرعان ما ينتبه ويعود لرشده إذا بلغ (وصل) إلى مكان بعينه حيث يسمع فيه أحاديث مختلطة, تأتيه من باب  مفتوح عن شماله, وهنا يعرف أنه سينحرف بعد خطوة أو خطوتين إلى الشمال ليصعد السلم الذي ينتهي به إلى مسكنه .
كيف وصف الصبي السلم ؟ ما المتاعب التي يواجهها الفتي في الصعود والنزول؟
كان السلم متوسط السعة, فلا هو ضيق ولا شديد السعة, وكانت درجاته مبنية من الحجر, ولكن بسبب كثرة الصعود والنزول عليه فقد أهمله السكان فلم يغسله أحد ولم ينظفه إنسان , فتراكم عليه التراب الكثيف, حتى تراكم على بعضه فاختفى الحجر وتخيل كل من صعد عليه بأنه يصعد أو ينزل على سلم من الطين .
عادة الصبي التي أهملها في مسكنه :
لقد كان الصبي كلفا (مولعا ومغرما ومحبا) بإحصاء الدرج كلما صعد إلى سلم أو هبط منه, ولكنه في هذا البيت أقام ما شاء الله له دون أن يفكر ولو مرة واحدة في إحصاء درجاته, ويبدو أن ذلك بسبب ما يعانيه من قذارة وروائح كريهة تفوح على طول السلم, بالإضافة إلى معاناته الشديدة في الطريق, فلا يجد متسعا في صدره ليحصى درجات السلم.
الطابق الأول :
علم الفتى بعدما صعد السلم مرتين أو مرات أنه إذا صعد درجات قليلة منه, فلا بد أن ينحرف قليلا ليكمل الصعود, ويترك عن يمينه فجوة فلا يلج (يدخل مصدرها ولوج) إليها مطلقا لأنه يعلم أنها تؤدي إلى الطابق الأول من البيت وهو إنما يسكن في الطابق الثاني.
لم يكن يسكن هذا الطابق طلاب العلم, وإنما كان يسكنه أخلاط (م/ خَلط وهو الشيء يخلط مع أشياء أخرى, والمراد أنواع متعددة) من الباعة والعمال.
الطابق الثاني :
لا يكاد الفتى يبلغ الطابق الثاني حتى تجد نفسه المكدودة (المتعبة والمرهقة) شيئا من الراحة, لما وجده من هواء طلق يتيح له التنفس بعد أن كاد يختنق من الروائح ملأت هذا السلم القذر .
كما كان يشعر بالراحة عندما يسمع صوت الببغاء الذي لا ينقطع, كأنه يشكوا إلى الناس من صاحبه الفارسي الذي يقسو عليه ويحبسه في القفص ليبيعه في يوم من الأيام لمن يدفع ثمنه ليسجنها هو الأخر في قفص بغيض أخر, فإذا ما قبض (استلم) ثمنها نقدا (× آجلا) اشترى بدلها لتعاني نفس معاناتها من سجن في قفص بغيض وانتظار لتنتقل من يد لأخرى, وينتقل معها دعاؤها الحزين الذي يبهج الناس ويفرحهم في كل مكان تكون فيه.
هناك علاقة بين الببغاء والفتى, فما هي ؟ وأثر صوت الببغاء على الفتى:
يرتبط الفتى بالببغاء في أن كلاهما سجين, فالببغاء سجين في القفص لدى صاحبه الفارسي , والفتى سجين في الظلام, ولا مفر لهما من هذا السجن الذي قُدر لهما.
لم يكن يسكن الببغاء مع الفتى ولكنه كان يسكن مع صاحبه في بيت مجاور لبيت الفتى .
وكان له أثر كبير في حياة الصبي, فقد كان يشعره بالراحة لأنه وجد من يشاركه الحزن بسبب سجنه, وكذلك كان الفتى إذا صعد أعلى السلم وسمع صوت الببغاء عرف انه سينحرف إلى اليمين ليدخل طريقا ضيقا ويمر من أمام بيتين يسكنهما رجلان من فارس, أحدهما شابا والآخر تقدمت به السن, ويتصف أحدهما بالرقة والانبساط, والآخر بالانقباض (الاعتزال والانطواء)عن الناس والغلظة (القسوة والجفاء).
مكونات بيت الصبي :
يدخل الصبي بيته, الذي يتكون من غرفتين؛ الأولى تشبه الدهليز (المدخل من الباب والدار) تجمعت فيها المرافق المادية مثل الأطعمة والملابس, وتمتد هذه الغرفة لتنتهي بأخرى غير مستقيمة تجمعت فيها المرافق العقلية فكانت غرفة الدرس والحديث والسمر والقراءة والكتب ويكون فيها النوم والطعام, وبها بعض أدوات الشاي وبعض رقائق الطعام.
مجلس الصبي:
لم يختلف مجلس الصبي في هذه الغرفة عن أي غرفة دخلها قبل ذلك فبمجرد دخوله الغرفة يميل شمالا ومشي خطوة أو خطوتين فيجد حصيرا مبسوطا على الأرض وعليه فراش قديم ولكنه قيم (جيد), ويسند ظهره إلى الحائط إثناء جلوسه, وعليها يكون مجلسه بالنهار ومنامه بالليل حيث يُلقى إليه وسادة (ما يوضع تحت الرأس /ج/ وسائد وسادات) يضع عليها رأسه ولحافا (غطاء من القطن ج/ لُحف) يلتف به, وكان يحاذي (يوازي) مجلسه مجلس أخيه الشيخ.
مجلس أخيه الشيخ:
كان يوازي مجلس الصبي مجلس أخيه الشاب, وكان أرقى من مجلسه قليلا أو كثيرا, فكان يتكون من بساط على الأرض وعليه وألقي عليه بساط لا بأس به, ثم ألقي على البساط فراش آخر من اللُّبد (بساط من الصوف /ج/ ألباد ولبود) ثم ألقي على اللبد حشية (فراش محشو) طويلة عريضة من القطن ثم من فوق هذه الحشية ملاءة.
وعلى هذا الفراش كان يجلس الأخ الشيخ وأصفيائه ( الأصدقاء المخلصون /م/ صفي) وكانوا يسندون ظهورهم إلى وسائد قد رص على الحشية رصا, فإذا جاء الليل استحال هذا المجلس إلى سرير ينام عليه الفتى الشيخ .
مناقشة الفصيح
س3: (فإذا تجاوز هذا الباب أحس عن يمينه حرًا خفيفاً يبلغ صفحة وجهه اليمنى، ودخاناً خفيفاً يداعب خياشيمه وأحس من شماله صوتًا خفيفًا يبلغ سمعه ويثير فى نفسه شيئًا من العجب).
أ- اختر الإجابة الصحيحة مما بين الأقواس:
- مرادف تجاوز (عفا - تخطى - انحرف)
- مفرد خياشيم (خيشم - خيشمة - خيشوم)      
ب- بم كان الفتى يحس بعد تجاوز الباب؟        
جـ- ما مصدر الصوت الذى كان يسمعه الفتى؟
د) ما المقصود بالمرافق المادية والمرافق العقلية؟         
   الله معي
   الله ناظِري
الله مطلع ٌعليّهـ) علام اعتمد الكاتب فى وصفه الدقيق للحجرة التى كان يعيش فيها.                  
س4: (وكانت هذه الأصوات مختلفة أشد الاختلاف: أصوات النساء يختصمن، وأصوات الرجال يتنادون فى عنف ويتحدثون فى رفق وأصوات الأثقال تحط وتعتل، صوت السقاء يتغنى ببيع الماء)
أ- هات من الفقرة كلمتين متضادتين.   
ب- لماذا كانت الأصوات مختلفة؟ وما أثرها على صاحبنا؟
جـ) لم تكن هذه الأصوات مألوفة له من قبل, فلماذا؟    
د) بم فسر صاحبنا تصويت الببغاء غير المنقطع؟        
هـ) ما صفات الرجلين اللذين يسكنان بجوار الفتى؟     
ذكرنفسك دائما وقل لها....
(2) حب الصبي للأزهر
أهم أطوار حياة الصبي في الأزهر:
عاش الصبي أثاء دراسته بالأزهر في القاهرة ثلاثة أطوار اختلف شعوره نحوها بين الراحة والأمان والاضطراب, وهذه الأطوار هي:
الطور الأول: حياته في غرفته. (حيث الوحدة والغربة والشعور بالوحشة.)
الطور الثاني: الطريق بين البيت والأزهر. (وفيه الشعور بالاضطراب والتشتت والتعب)
الطور الثالث: وهو أحب الأطوار إليه وهو وجوده في الأزهر للدراسة والعلم. (حيث المتعة والأمان والغرق في بحر العلم الذي ليس له حد.)
الطور الأول: حياة الصبي في الغرفة:
هنا يعيش الصبي في غرفته ويشعر بالغربة القاسية على قلبه, وذلك لأنه لا يعرفها ولا يعرف ما تشتمل عليه (تحتوي) من أثاث ومتاع إلا القليل القريب منه فقط.
مما جعله يشعر طوال فترة إقامته فيها بأنه غريب عن الغرفة غريب عن الناس والأشياء, مما جعل صدره ضيقا بهذه الغرفة وبكل ما فيها حتى الهواء الذي يتنفسه شعر بأنه هواء ثقيل لا راحة فيه ولا حياة.
ولعل السبب في ذلك كله أن هذه الغرفة تختلف عن بيته الريفي الذي كان يعلم كل غرفاته وحجراته بما تحويه من أثاث ومتاع وأشياء.
الطور الثاني: الطريق من البيت للأزهر:
عاش في هذا الطور من حياته مفرق النفس (موزع النفس أي مشتت) يسيطر عليه شعور بالاضطراب والحيرة الباهظة ( الشاقة) التي تفسد عليه أمره وحياته, فتدفعه إلى التقدم للأمام في طريقه المادية وطريقه المعنوية بلا هدى.
فقد كان مصروفا عن نفسه ( مشغولا) بتلك الأصوات العالية والحركات المضطربة المختلفة من حوله, بل كان مستخذيا في نفسه ( يشعر بالخذي والمعرة - خجلا) من اضطراب خطاه (خطواته – م/خطوة) وعجزة عن مجاراة مشيته الهادئة الحائرة بمشية صاحبه المهتدية العارمة (الشديدة السريعة) العنيفة.
ما المقصود بالطريقة المادية والطريق المعنوية؟
الطريق المادية هي الطريق الذي يمشي فيه الكاتب من البيت للأزهر والعكس.
أما الطريق المعنوية فهي أحواله النفسية ومشاعره.
الطور الثالث: وجوده في الأزهر:
دلل على حب الصبي لطور حياته في الأزهر.
هو أحب أطوار حياته في القاهرة إليه, فقد كان يجد فيه الراحة والأمان والاستقرار, بل كان النسيم الذي يترقرق ( ينساب ويتحرك برقة) في صحن الأزهر ويحيي وجهه ( يوجه التحية) كل صباح بعد الفجر يشبه قبلات أمه التي كانت تطبعها على جبينه في الريف من حين لآخر حينما يمتعها بقصة من تلك القصص التي يقرأها أثناء عبثه(لهوه) في الكتب أو حينما يقرأ عليها آيات القرآن الكريم, أو حينما يخرج شاحبا (متغير اللون) من خلوته التي كان يقرأ فيها عدية يس ويتوسل بها إلي الله ليقضى حاجته وأسرته. (عدية يس هي تلاوة سورة يس عدة مرات).
أثر القبلات والنسيم على الصبي:
لقد كانت قبلات أمه على خديه تنعش قلبه وتشيع في نفسه الأمر والأمن والحنان, وهو ما كان يتذكره ويشعر به كلما أحس بذلك النسيم على خديه حيث يرده إلى الراحة بعد التعب وإلى الهدوء بعد الاضطراب وإلى الابتسام بعد العبوس (التجهم).

ما الذي قنع به الصبي من الأزهر؟
مع الراحة الكبيرة والأمان الذي كان يشعر به الصبي في الأزهر فإنه لم يعلم عن الأزهر شيئا وترتيبه وشكله بل كان يكفيه أن تمس قدماه الحافيتين أرض الأزهر وأن يلمس وجهه ذلك النسيم المنعش وأن يحس أن الأزهر نائما هادئا يريد أن يستيقظ وينشط وتعود إليه نفسه من جديد.
مشاعر الصبي في الأزهر؟
أثناء وجود الصبي في الأزهر كان يشعر أنه في وطنه بين أهله وأصحابه فلا يشعر بالغربة أو الألم بل كان يشتق قلبه لأن يتلقى شيئا لم يعرفه من قل ولكنه أحبه لكثرة ما سمع اسمه من أهله وأصحابه وأراد أن يعرف ما وراء هذا الاسم ألا وهو العلم.
العلم بحر واسع لا ساحل له:
لقد سيطر على الصبي شعور غريبا قويا بأن هذا العلم لا حد له, وأن الناس قد ينفقوا (يقضوا ويُفنوا) حياتهم كلها ولا يبلغون (يصلون ويحصلون)من هذا العلم إلا أيسره (أقله)
وكان يريد أن يعيش حياته كلها يأخذ من هذا العلم ما استطاع حتى ولو كان ما يحصله طوال حياته هو أقل القليل, فقد سمع أباه وأصحابه يتكلمون عن هذا العلم بأنه بحر واسع لا ساحل له., وهو لم يأخذ هذه المقولة على أنها تشبيه أو تجوز (تعبير غير حقيقي) بل أخذها على أنها حقيقة العلم التي لا جدال فيها.
وقد جاء إلى القاهر ليلقي بنفسه في هذا البحر فيشرب منه ما شاء الله ثم يموت فيه غرقا, فالموت غرقا في بحر اعلم هو أحب موت إلى الرجل النبيل (الشريف العظيم).
أثر هذه المقولة على الصبي:
كلما فكر الصبي في هذه المقولة ومعناها امتلأت نفسه بها حتى تمتلك هذه الفكرة كيانه, وينسى بها غرفته الموحشة والطريق المضطرب الملتوي, بل وصل الأمر لأن ينسى الريف بما فيه من لذة ومتعة وجمال, وشعر بأنه لم يخطئ ولم يغالي (يبالغ) عندما تعلق بالأزهر واشتاق إليه, وأصبح يضيق ( سأم ومل) بالإقامة في الريف .
الأزهر بعد صلاة الفجر:
كان الصبي إذا دخل صحن الأزهر فجرا وصعد درجاته الأولى اليسيرة (القليلة) شعر بقلبه قد امتلأ خشوعا وخضوعا وامتلأت نفسه إكبارا وإجلالا لهذا المكان الطاهر.
وكان يخفف من سرعته وخطاه(خطواته م/خطوة) وهو يمشي على الحصر المبسوطة (المفروشة × المطوية) البالية (الرثة) التي تنفرج في بعض الأحيان عن أرض الأزهر الطاهرة فتسمح للمصلين والساعين أن يمسوا أرضه الطاهرة كأنها تريد لهم الحصول على شيء من بركة هذا المكان الطاهر.
أحب لحظات الصبي في الأزهر:
وكانت تلك اللحظات هي أحب لحظاته في الأزهر حيث ينفتل المصلون (ينصرف) من صلاة الفجر ومازال النعاس في عيونهم ليتحلقوا (يجلسون في حلقة) حول أعمدة المسجد منتظرين الشيوخ والأساتذة الذين يسمعون منهم درس الفقه أو درس الحديث أو درس الأصول أو....
فقد كان الأزهر في هذه اللحظة هادئا لا يعقد (لا يظهر) فيه هذا الدوي (الصوت العالي) الذي يملأه منذ طلوع الشمس حتى العشاء.
ماذا كان يسمع الفتى في هذه اللحظات؟
لم يكن يسمع هذا الصوت العالي الغريب الذي يملأ الأزهر منذ طلوع الشمس حتى صلاة العشاء وإنما كان يسمع الأحاديث يتهامس بها أصحابها أو فتى يقرأ القرآن في صوت هادئ معتدل أو مصلٍ لم يدرك الجماعة أو أدركها ولكنه يتنفل (يصلي النافلة وهي ما زاد عن الفرض والأصل أنه لا صلاة لنافلة بعد الفجر حتى يأتي وقت الضحى بعد شروق الشمس بحوالي ثلث ساعة إلا من فاتته السنة القبلية فإنه يصليها بعد الفجر أو بعد الضحا)
وقد يسمع شيخا أو أستاذا يبدأ درسه بصوت فاتر ( فيه ضعف مستحسن) حلو منكسر لم يطعم شيئا يبعث في جسمه النشاط والقوة
وتكون البداية عادة في صوت منكسر بقوله " بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, قال المؤلف رحمه الله تعالي ونفعنا بعلمه آمين......."
أثر صوت الشيخ أو الأستاذ على الطلاب:
يستمع الطلاب للشيخ في هدوء وفتور (سكون) يشبهان هدوء الشيخ وفتوره.
موازنة الصبي بين حال الشيوخ والطلاب في الفجر وبين حالهم في الظهر:
كثيرا ما كان الفتى يوازن بين أصوات الشيوخ حين ينطقون بصيغة بداية الدرس في وقت الفجر وأصواتهم وهم ينطقون بها في درس الظهر, فكانت في الفجر فاترة حلوة مازال أثر النوم يظهر فيها, أما في الظهر فقد أصواتهم قوية عنيفة ممتلئة فيها بعض من كسل وتظهر امتلاء البطون بطعام الأزهريين من مُخلَلات وفول وأشباه ذلك من ألوان الطعام
وكان في صوت الفجر دعاء للمؤلفين بالرحمة يشبه الاستعطاف, وفي أصوات الظهر هجوم عنيف يكاد يكون عدوانا.
وكانت هذه الموازنة دائما ما تعجب الفتى وتثير في نفسه متاعا (سرورا) ولذة كبيرة.
أين يـجلس الصبي ليتلقى درسه؟
كان إذا دخل إلى الأزهر فإنه يمشي مع صاحبه حتى يرقى درجتين يبتدئ بهما الإيوان (الساحة الداخلية للأزهر) ثم يجلسه بجوار عمود من أعمدة الأزهر على كرسي مربوط بسلسلة غليظة, ويطلب منه الجلوس والانتظار ليسمع درس الحديث, ويطلب منه الانتظار حتى ينهي هو – صاحبه- درسه ثم يعود ليأخذه.

درس أصول الفقه لصاحب الفتى وقائده:
كان درس صاحبه في أصول الفقه, وكان أستاذه هو الشيخ راضي –رحمه الله- ويدرس له وللطلاب كتاب التحرير للكمال بن همام.
أثر درس أصول الفقه لصاحب الصبي على الصبي:
كان الصبي كلما سمع هذه الألفاظ أصول الفقه, الشيخ راضي,  التحرير, الكمال بن همام يمتلئ قلبه ونفسه إجلالا ورهبا(خوفا) وشوقا لهذا العلم, ثم يتساءل في نفسه, من يكون هذا الشيخ راضي؟ وما هذا العلم المسمى أصول الفقه؟ وما معنى هذه الكلمة التحرير؟ وما أعظم هذين الاسمين الكمال بن همام!
ثم يتذكر بأن العلم بحر لا ساحل له, ويظن بأن الخير كله في أن يغرق الرجل في هذا العلم حتى يموت.
مظاهر إجلال الصبي لعلم أصول الفقه وشوقه له:
وكان يزداد يوما بعد يوم إجلالا وشوقا لهذا العلم خصوصا أنه يسمع أخاه وأصحابه يطالعون (يقرءون) الدرس ويقولون فيه كلاما غريبا ولكنه حلو في نفسه.
بل كان من شدة شوقه لهذا العلم يتمنى أن تتقدم به السن ست أو سبع سنوات ليستطيع أن يفهم هذا العم ويحل ألغازه (ما يعمى من الكلام) ويفك رموزه ويتصرف فيه مثل هؤلاء الشبان البارعون ولكنه الآن مضطر أن يسمع ولا يفهم.
جملة تؤرق تفكير الصبي:
لقد كان كثيرا ما يقلب الجمل التي يسمعها من أخيه وأصحابه في نفسه لعله يفهم ما ترمي إليه فلا يصل لشيء, حتى جاء يوم سمع منهم كلمة (عبارة) أرقته ونغصت (كدرت× صفّت) عليه حياته ولياليه, وأصبحت تدور في عقله كما يدور هذيان الحمى( اضطراب عقلي مؤقت) في رأس المريض, وصرفته عن بعض دروسه, حتى أنه من شدة التفكير في هذه الكلمة بعد أن كان يفهم دروسه الأولى في غير مشقة, أصبح ينصرف عن حديث الشيخ إلى التفكير فيما سمع من هؤلاء الشبان, حتى أنها أيقظته معظم ليله.
وهذه الكلمة هي "والحق هدم الهدم" وبدأ يفكر ما معنى هذه الكلام؟ وكيف ينهدم الهدم (الباطل) وما شكل هذا الهدم؟ وكيف يكون الهدم حقا؟ وظل كذلك لم يصرفه عنها إلا إشكال (مسألة علمية تحتاج فهم عميق) من إشكالات الكفراوي ( عنوان كتاب في النحو مسمى باسم مؤلفه), وعلم يقينا بأن هذا العلم حقا بحر لا ساحل له.
المعنى المقصود من عبارة " الحق هدم الهدم " هو أن إزالة الباطل حق.
العنعنة ورواية الحديث:
كان الصبي في درس الحديث يسمع للشيخ ويفهم منه في وضوح وجلاء, ولا ينكر من درسه إلا تلك الأسماء الطويلة التي تسقط على الطلاب يتبع بعضها بعضا تسبقها كلمة "حدثنا" ويفصل بينها كلمة "عن".
ولم يكن يفهم معاني هذه الأسماء ولا أهمية تتابعها ولهذه العنعنة المملة, ولكما بدأ الشيخ في روايته شعر بالملل وتمنى أن تنقطع هذه العنعنة الطويلة وأن يصل إلى الحديث مباشرة, فإذا حدث ذلك انتبه الصبي فسمعه وحفظه وفهمه, وأعرض عن تفسير الشيخ الذي كان يذكره بما كان يسمع في الريف من أمام المسجد ومن الشيخ الذي كان يعلمه أوليات (مبادئ وأساسيات /م أولى) الفقه.
استيقاظ الأزهر وضوضاء من فيه:
وأثناء درس الصبي كان الأزهر يستيقظ شيئا فشيئا, وترتفع أصوات الشيوخ والطلاب إلى حد العنف أحيانا, والشيوخ يرفعون أصواتهم لتصل إلى آذان الطلاب ثم يضطرون إلى نطق تلك الصيغة التي يؤذن (تعلم وتخبر ) بانتهاء الدرس وهي "والله أعلم"
وبعد انتهاء درس الفجر ينتظر الطلاب درس الصباح وهو درس الفقه من الشيخ نفسه أو من غيره, وهنا يأتي صاحب الصبي ويأخذه بيده في غير كلام وينقله إلى مجلس آخر في غير رفق كأنه متاع ينقل ثم ينصرف عنه.
وقد فهم الصبي أنه قد انتقل إلى درس الفقه وانه سيسمع وسيفرغ منه (ينتهي) وسينصرف الشيخ ويتفرق الطلاب ويبقى هو في مكانه لا يتحول عنه (ينصرف) حتى يأتي إليه صاحبه من سيدنا الحسين حيث يتلقى درسه في الفقه الذي كان يلقيه عليه الشيخ بخيت رحمه الله .
وقد كان الشيخ بخيت يحب الإطالة كما أن طلابه يلحون عليه في الجدال فلم يكن ينقطع (ينتهي) الدرس إلا مع الضحى.
عودة الصبي إلى بيته:
فإذا عاد إلي صاحبه أخذه في غير كلام بيده ومضى به يخرجه من الأزهر حتى يرده إلى طوره الثاني فيقطع به الطريق إلى طوره الأول حيث غرفته التي يتهيأ معها لاستقبال حظه ( نصيبه) من عذاب الوحدة والغربة.
مناقشة الفصيح
س1) وكانت هذه الموازنة تعجب الصبى وتثير فى نفسه لذة ومتاعًا.
- الموازنة كانت بين (أصوات الشيوخ - آراء فى الفقه - بعض الأحاديث)
- مقابل (متاعا) (حزناً - غفلة - لذة)  
س2) وكان هذا الطور أحب أطوار حياته تلك وآثرها عنده وكان أحب إليه من طوره ذاك فى غرفته التى كان يشعر فيها بالغربة.
أ- هات مرادف (الطور) ومضادها: (آثرها)
ب- ما المقصود بالطور الذى يتحدث عنه الكاتب؟      
جـ- ولماذا كان يشعر بالاضطراب والخذى فى طوره الثانى؟  
س3: كانت هذه الخواطر كلها تثور فى نفسه الناشئة فجأة فتلمؤها وتملكها وتنسيها تلك الغرفة الموحشة وتلك الطريق المضطربة الملتوية بل تنسيها الريف ولذات الريف، وتشعرها بأنها لم تكن مخطئة ولا مغالية حين كانت تتحرق شوقًا إلى الأزهر وضيقًا بالريف.
أ- هات مضاد (الموحشة) ومرادف (مغالية).     
ب- ما الخواطر التى تشير إليها العبارة السابقة؟ وماذا كان موقف الفتى منها؟   
جـ- فى العبارة إشارة إلى ثلاثة أطوار فى حياة الفتى وضحها.         
س4: (كانت تلك القبلات تنعش قلبه وتشيع فى نفسه أمنًا وأملاً وحنانًا وكان ذلك النسيم الذى يتلقاه فى صحن الأزهر يشيع فى نفسه هذا كله ويرده إلى الراحة بعد التعب وإلى الهدوء بعد الاضطراب).
أ- هات مرادف (تنعش) ومضاد (أملاً)        
ب- ما القبلات التى يتحدث عنها الكاتب؟ ومتى كان يحظى بها؟ ولماذا؟         
جـ) كان الصبى رقيق الإحساس مرهف الحس. من أين تفهم ذلك؟      
س5: والطلاب يسمعون لهذا الصوت فى هدوء وفتور يشبهان هدوء الشيخ وفتوره، وما أكثر ما كان الصبى يوازن فى نفسه بين أصوات الشيوخ حين ينطقون بهذه الصيغة.
أ- اختر الإجابة الصحيحة مما بين الأقواس لما يلى:
- هذا الصوت يراد به (صوت الفتى - صوت أخيه - صوت أحد علماء الأزهر).
عباد الله- هدوء وفتور كلمتان (مترادفتان - متقابلتان - متقاربتان)      
ب- ما الصيغة التى كان الشيوخ ينطقون بها؟ ومتى؟   
جـ) كان لهذه الموازنة أثر فى نفس الصبى - اذكره     
مالكم لا ترجون لله وقارا..!!!س6: ما الفرق بين غرفة الفتى فى القاهرة وغرفته فى الريف؟


3- وحدة الصبي في غرفته
الوحدة وعذاب الصبي:
لقد كانت الوحدة هي السبب الأول وراء عذاب الصبي في تلك الغرفة التي كرهها, فقد كان أخوه دائم التنقل وأصحابه بين غرفات الرَبع ولا يستقرون في مكان واحد ولا يجد الصبي أحد يسليه حتى يأتي أخوه آخر الأمر ليلا.
مجلس أخي الصبي وأصحابه:
لقد كان هذا المجلس دائم التنقل غير مستقر, فهم في الصباح في غرفة والمساء في غرفة أخرى وعد أول الليل في ثالثة وهكذا, وكان أخو الصبي يتركه في الغرفة بعد درس الظهر ويذهب إلى أصحابه في إحدى الغرفات فينفقون (يقضون) وقتهم في الدعابة والراحة والتندر ( السخرية × التوقير) بالشيوخ والطلاب وتتعالى ضحكاتهم فتملأ الربع كله حتى تصل إلى أذن الصبي الجاثم ( المستقر الملام لمكانه) فتبتسم لها شفتاه ويحزن لها قلبه.
وإنما كان حزنه وهمه بسبب أنه لا يسمع منهم في ذلك الوقت ما كان يسمعه في الضحى من فكاهة ونوادر, على الرغم أن مشاركته لهم في الضحى كانت مشاركة صامتة بابتسامة نحيلة لا تقارن بهذا الضحك العريض.
لماذا ملأت الحسرة قلب الصبي؟ (كيف كان يقضي أخو الصبي وأصحابه وقت العصر؟)
وقد امتلأ قلبه حسرة وحزنا لأنه يعلم أن أخاه وأصحابه سيجتمعون حول شاي العصر يتندرون بالشيوخ والطلاب ويضحكون إذا ركنوا للراحة ثم سيستأنفون (يبدءون)  حديثهم الهادئ المنتظم ثم يستعيدون بعض من درس الظهر مجادلين مناظرين, ثم يعيدون درس المساء للشيخ (محمد عبده) في كتاب (دلائل الإعجاز) والذي يلقيه في بعض أيام الأسبوع, وفي البعض الآخر يلقي عليهم تفسير القرآن الكريم.
وكانوا يتحدثون حول الأستاذ الشيخ ونوادره (م/ نادرة وهي الطرفة من القول) وما يحفظون من رأيه في الشيوخ وآراء الشيوخ فيه, وما يحفظون من أجوبته التي يرد بها على السائلين له والمعترضين عليه, فيفحمهم ويضحك منهم زملاءهم الطلاب.

ما أثر حديث العصر على الصبي؟ ولماذا حرم من هذه المتعة؟
لقد أصبح الصبي محبا لهذا الحديث كلفا (محبا مولعا مغرما) متشوقا إلى هذا الحديث, وأصبح محبا للشاي يشعر بالحاجة إلى كوب أو كوبين منه, فقد أصبح محبا له ويتمنى شربه صباحا ومساءا ولا يمله حتى يستكمل منه النصاب ( القدْر).
ولكنه محروم من هذا كله, لأن الطلاب يتناظرون ويدرسون ويشربون الشاي في غرفة أخرى في الربع, وهو لا يستطيع أن يشاركهم في شيء من هذا كله بسبب عماه وصغر سنه, كما أنه لا يستطيع أن يطلب من أخيه الشاب الإذن بالحضور مجلسه ليستمتع بلذة الجسم (الشاي) ولذة العقل (نوادر الشيوخ ودروس الطلاب).
الصبي يستحي أن يطلب من أخيه مرافقته:
لم يستطع الصبي أن يطلب من أخيه مرافقته في مجلسه مع أصدقائه لأن أبغض شيء إليه أن يطلب إلى أحد شيئا ما, كما أنه خشي أن يرده أخوه برفق أو عنف, ففضل أن ملك نفسه ويكتم حاجة عقله للعلم, وأذنه للاستماع وجسمه للشاي.
ما الذي يزيد من ألم الصبي ويضعف مقاومته؟
لقد كان يقاوم الصبي حاجاته المتعددة ( جسمية وعقلية وأذنه) ويكتم في نفسه رغبته الشديدة في هذا كله, ولكن الباب الذي تركه أخوه مفتوحا كان يوصل إليه الأصوات البعيدة مما يجعله يضعف ويشعر بالرغبة فيما يحب, والألم لعدم قدرته تحقيق ذلك.
أصوات من الباب المفتوح, وأثرها على الصبي :
لقد كان يصل إلى الفتي من هذا الباب المفتوح أصوات أخيه وأصحابه وهم يضحكون, ويصل إليه أصوات مصمتة تنبئه بأن صاحب الشاي يحطم الحطب ليشعل النار.
وكانت هذه الأصوات التي تصل إليه تثير في نفسه الرغبة والرهبة, وتثير في نفسه من الأمل واليأس ما يعنيه (يشق عليه) وما يضنيه ( يعذبه) ويملأ قلبه بؤسا وحزنا.
ما الذي يزيد من حسرة الصبي؟
لقد كان يزيد من حسرته وحزنه أن لا يستطيع التحرك من مجلسه ولو خطوات قليلة تمكنه من الوصول للباب, وليس ذلك لأنه لا يعرف الطريق, بل كان يعرفها ويحفظها, ويستطيع أن يقطعها متمهلا, ولكنه كان يستحي أن يفاجئه أحد المارة فيراه وهو يسعى متمهلا مضطرب الخطا, وكان يشفق ( يخشى) أن يفاجئه أخوه الشاب الذي كان يحضر من وقت لآخر ليأخذ كتابا أو أداة أو شيئا من الطعام التي كان يتبلغ بها أثناء الشاي (يسد جوعه بها) فيسأله ما خطبك؟ إلى أين تريد ؟
فآثر السلامة والعافية ورأى أنه من الخير أن يبقى في مكانه ويزداد حسرة على حسرة.
شوق الصبي للبيت والريف:
أصبحت الحسرات تزداد على الصبي وكان منها حسرات الحنين إلى منزله في الريف, فقد كان يتذكر كيف كان يعود من الكتاب فيلعب ما يعلب ثم يتبلغ بكسرة خبز مجفف, ثم يمزح مع إخوته ويقص على أمه ما أحب من أنباء الكتاب في يومه, ثم ينطلق خارج البيت إلى حانوت (دكان ج/ حوانيت) الشيح محمد عبد الواحد وأخيه الحاج محمود, فيجلس هناك متحدثا متندرا مستمعا لأقوال المشترين من الرجال والنساء بما فيها من سذاجة وطرفة الريف.
وربما قل المشترون فيخلو الصبي بأحد صاحبي الحانوت فيتحدث إليه أو يقرأ له كتابا من الكتب.
وكان في بعض الأحيان يعدل عن ذلك ويتجه إلى المصطبة (بناء غير مرتفع يجلس عليه) الملاصقة لبيته مطرقا ( منصتا) لأحاديث أبيه الشيخ مع أصحابه والتي كانت تعقد من بعد صلاة العصر حتى صلاة المغرب.
وكان في بعض الأحيان لا يخرج من بيته إذا أقبل عليه أحد رفقاء الكتاب ومعه كتابا من كتب الوعظ, أو قصة من قصص المغازي, فيقرأه له حتى صلاة المغرب, فلم يكن يشعر في الريف بالوحدة أو الغربة أو الجوع أو الحرمان, بل لم يكن يتحرق لكوب من أكواب الشاي.
صوت مؤذن العصر يصف الحسرات عن نفس الصبي:
لقد كان الصبي يغرق في حسراته حتى يأتيه صوت مؤذن العصر في مسجد بيبرس الذي يصرف عنه الكثير من هذه الحسرات, ولكنه كان صوتا منكرا يذكره بصوت مؤذن المسجد في الريف.
ولكن في الريف يسمح له بما لا يسمح له به في القاهرة, فقد كان في القرية كثيرا ما يصعد إلى مئذنة المسجد ويشارك المؤذن الدعاء بعد الأذان بل كان في كثير من الأحيان يؤذن بدلا منه.
أما مسجد بيبرس فلم يذهب إليه مطلقا, ولا يعرف طريق مئذنته ولم يبل درجها ( يختبر ويعرف  درجاتها) أبدا, ولا يعرف هل تستقيم للمُصعد فيها أم هي كمئذنة الريف تضيق بمن يصعد فيها؟
ولذلك أصبح لا يشعر إلا بالسكون المتصل, وأصبح يعتقد أن العلم يكلف طلابه أهوالا ثقالا (أمور شديدة خطيرة /م هول).
سكون الصبي ونوم العصر:
لقد كان هذا السكون المتصل سببا لتعب الصبي وشعور بالإجهاد فيغفوا (ينام نوما خفيفا) وهو في مكانه, وربما وصل الأمر إلى أن يسلم نفسه للنوم لطويل فيستلقى في مجلسه, وما ينتبه إلا مذعورا على صوت أخيه وهو يقول له ( مولانا أنائم أنت؟) وقد جاء إليه يسأل عن شأنه يقدم له طعام العشاء.
مم يتألف طعام عشاء الصبي؟
لقد كان يحضر له أخوه رغيف وقطع من الجبن المسمى الجبن الرومي أو قطعة من الحلاوة الطحينية, ثم ينصرف إلى الأزهر ليحضر درس الأستاذ الإمام.
وكان الصبي إذا أكل مع أخيه فإنه يقلل من الطعام في بعض الأحيان ولم يكن يسأله أخوه عن ذلك. ولكنه إذا خلا بالطعام فإنه يقبل عليه فيأكله كله إرضاءا لأخيه, فلا يترك منه شيئا حتى وإن لم يرغب فيه مخافة أن يرى أخوه شيئا من الطعام فيظن به المرض أو الحزن, وقد كان يبغض أن يثير في نفس أخيه القلق أوالهم .
صوت مؤذن المغرب:
لقد كان صوت مؤذن المغرب يثير في نفسه الوحشة والإحساس بالوحدة والألم لأنه يعلم أن الليل قد أقبل عليه,وأن الظلمة قد أخذت تكتنفيه (تحيط به) وأن المصباح مُطفأ .
وقد كان يتمنى لو أن بعض المبصرين معه في الغرفة فيضيئوا المصباح.

ما حاجة المكفوف للمصباح ليلا؟
المبصرون يظنون خطأ أن المكفوف لا يحتاج إلى المصباح أو النور, ولكنه كان يشعر بأن وقت الغروب كان يفرق تفرقة غامضة بين الظلمة والنور, ويجد في المصباح إذا أضيئ جليسا ومؤنسا له في وحدته.
ما أثر الظلمة في نفسه؟ ومن أين خرج هاذ الأثر؟
لقد كان يرى في الظلمة وحشة, يبدو أنها خرجت إلى نفسه من عقله الناشئ ومن حسه المضطرب.
ولقد كان يجد للظلمة صوتا يبلغ أذنيه كأنه طنين البعوض إلا انه صوت غليظ بعض الشيء. كان هذا الصوت يصل أذنيه فيؤذيهما وصل قلبه فيملأه روعا ( فزع وقلق)
فيجلس القرفصاء ويعتمد بمرفقيه على ركبتيه ويخفي رأسه بين يديه, ويسلم نفسه لهذا الصوت الذي كان يوقظه.
قارن بين سكون العصر وسكون العشاء:
سكون العصر يأخذ الصبي إلى الغفوة أو النوم العميق, أما سكون العشاء فقد كان يضطره إلى اليقظة والقلق والفزع.
أصوات أخرى في الغرفة:
لقد كان الصبي ]أنس صوت الظلمة فيألفه بعد قليل, ولكن هناك الكثير من الأصوات الأخرى التي تفزعه وتروعه, فقد عرف أن هذه الغرفة من غرف الأوقاف أي أنها طال عليها العهد وكثرت بها الشقوق وسكنت هذه الشقوق  طوائف الحشرات المختلفة, وصغار الحيوانات.
وكانت هذه الحشرات والحيوانات الصغيرة إذا ما أقبل الليل تخرج من الشقوق تبعث أصواتا ضئيلة وتأتي من الحركات الخفيفة السريعة والحركات البطيئة ما يملأ قلب الصبي فزعا, فإذا أقبل أخوه وأضاء المصباح انقطعت هذه الأصوات كأنها لم تكن.
وقد كان يخشى أن يذكر ذلك لأخيه ويطلب من أنه يضيء له المصباح فيسفه رأيه ( يحقر رأيه) ويظن بعقله وشجاعته الظنون فكان يؤثر العافية ويكتم في نفسه.

صوت مؤذن العشاء:
لقد كان لصوت مؤذن العشاء أثر طيب على نفس الصبي فهو يثير في نفسه أملا قصيرا يتبعه يأس طويل, فهذا الصوت ينبئه بانتهاء درس الأستاذ الشيخ محمد عبده, وأن أخاه سيأتي عما قريب ليضيء المصباح, ويأخذ ما يشاء من كتب أو طعام فيشيع في الغرفة شيء من الأنس يطرد به وحدة الصبي وخوفه.
ولكنه يعرف ان أخاه سيلقي له بوسادة ولحفا ليلتف به وينام وينتظر الأخ حتى يرى أخاه قد التف في اللحاف, ويظن انه تركه ينام نوما هادئا, ثم يطفئ المصباح مرة أخرى , ويغلق الباب ويدير المفتاح ويتركه ويذهب إلى أصدقائه ليشربوا الشاي ويدرسوا ويعدون درس الغد.
وما يعلم الشاب أنه ترك أخاه للرعب والفزع مرة ثانية منتظرا عودته بعد كل ذلك بعد ساعتين أو ثلاث وهو يظن أن أخاه قد استغرق في النوم الهانئ.
متى يطمئن الصبي ويسلم نفسه للنوم؟
لقد كان يشعر الفتي بالخوف والفزع حتى يعود إليه أخوه في آخر الأمر بعد أن يذاكر ويدرس مع أصحابه وهو يظن أن الصبي نائم, ولم يكن يطمئن حتى يطفئ أخوه المصباح لينام هو الآخر, وهنا يحس الصبي بالأمن والدعة ويصبح تفكيره هادئا مطمئنا فينام وينعم بلذة النوم دون أن يشعر بلحظة نومه.
مناقشة الفصيح
( كان الصبى يعلم أن القوم سيجتمعون حول شاى العصر إذا أرضوا حاجتهم إلى الراحة وإلى التندر بالشيوخ والزملاء وسيستأنفون حول هذا الشاى حديثًا هادئًا منتظماً).
1- المقصود بالقوم (أخوه وأصحابه- علماء الأزهر - الفلاحون فى الريف)
2- مرادف التندر (السخرية - النُدرة - الثناء)
3- حديثا هادئا كان الحديث حول (العلم - التجارة - أعباء الحياة)        
(وكان الصبى لهذا كله محبًا وبه كلفًا وإليه مشوقًا متحرقًا ........"
1- كان الصبى متشوقاً إلى حديث (الإمام محمد عبده - الشيخ المرصفى - شيخ الأزهر)
2- مرادف كلفا (محباً - متعباً - حافظاً)      
وكان هذا الصوت يبلغ أذنيه فيؤذيهما، ويبلغ قلبه فيملؤه روعًا.
1- هذا الصوت كان يسمعه (ليلاً - نهارًا - كلاهما معًا)
2- هذا الصوت يشبه (طنين البعوض - نُباح الكلاب - فحيح الثعابين)
3- مقابل روعًا (اطمئنانًا - أملاً - يأسًّا)         
وهذا يدعو إلى صلاة العشاء فيثير فى نفس الصبى أملاً قصيرًا يتبعه يأس طويل...."
1- الأمل بسبب (عودة أخيه - ذهابه إلى الأزهر - كلاهما صواب)
2- يأس طويل بسبب (انصراف أخيه - متاعب الطريق - حياة الوحدة)      
وكانت الوحدة المتصلة مصدر ذلك العذاب فقد كان الصبى يستقر فى مجلسه من الغرفة قبيل العصر بقليل، ثم ينصرف أخوه فيذهب إلى غرفة أخرى من غرفات الربع عند أحد أصحابه.
أ- هات مرادف (الربع) ومضاد (ينصرف)      
ب- لماذا كانت الوحدة المتصلة مصدر عذاب للصبى؟   
جـ) كيف كان أخوه ينفق وقته فى (الربع) مع أصحابه؟         
وكل هذه الأصوات التى تنتهى إليه تثير فى نفسه من الرغبة والرهبة ومن الأمل واليأس ما يعنيه ويضنيه ويملأ قلبه بؤساً وحزناً.
أ- اعتمد الكاتب فى الفقرة على لون من المحسنات حدده وبين قيمته.     
ب- ما مصدر هذه الأصوات؟ ولماذا كانت تثير فى نفسه الرهبة والرغبة؟    
جـ) هات من الفقرة كلمة مرادفها (يفديه) وكلمة مضادها (الطمأنينة)
اللهم أنت ربي!!
وهذا يكفي!!
فلا تحرمني ولا تخزني ولا أهلي ولا من أحبد) كان الصبى مرهف الحس، من أين تفهم ذلك؟        
هـ) كيف كان الصبى يشعر بوحشة الظلمة؟    

4 - الحاج علي وشباب الأزهر
عاش الصبي في الغرفة وحيدا معظم وقته يشعر بالغربة والوحشة, والخوف, ولم يكن يأنس ويأمن من الخوف إلا في وجود أخيه الشاب الأزهري, وخصوصا ليلا.
ولكن هذا الأمان الذي يشعر به الصبي بوجود أخيه معه في الغرفة يزول في الثلث الأخير من الليل بسبب هذين الصوتين الغريبين.
الصوتان الغريبان:
بعد هذا النوم الآمن الهادئ يستيقظ الصبي على صوتين غريبين يردانه ( يرجعانه) إلى الخوف والفزع مرة أخرى, لأنه لم يكن يعلم عنهما شيء, فأتعب نفسه في التفكير فيهما, وهما...
صوت عصا غليظة تضرب الأرض ضربا عنيفا.
وصوت إنساني متهدج ( متقطع) مضطرب مرجعا ( مرددا صوته ومترنما), لا هو غليظ ولا هو نحيف, يذكر صاحبه الله ويسبحه ويحمده ويمد ذكره مدا طويلا غريبا.
وكان هذا الصوت الثاني ينشر الاضطراب والقلق في الليل الساكن الهادئ, ولا يقطعه إلا صوت تلك العصا الغليظة.
وقد كان يسمع الصبي الصوت يقترب منه قليلا قليلا, ثم ينحرف ( يميل والمقصود يبتعد) ويضعف شيئا فشيئا, حتى يكاد ينقطع, ثم يزداد قوة ووضوحا بعد ان نزل صاحبه سلم الربع واستقام له الطريق, ثم يضعف حتى يختفي.
أثر الصوتين على الصبي:
لقد ارتاع ( خاف وفزع) الصبي بسبب هذين الصوتين حين سمعهما أول مرة, وأتعب نفسه في التفكير فيهما والبحث عن مصدرهما, ولكنه لم يصل إلى شيء, ولم يكن يجرؤ على سؤال أخيه ولا أصحابه عنهما, ولذلك استمر في هذه الحيرة طوال الأسبوع الأول, يفقد أمانه الذي شعر به بوجود أخيه معه.
أثر صوت مؤذن الفجر في نفس الصبي:
ولم يكن يعود الصبي إلى الطمأنينة والأمن إلا حينما يسمع صوت مؤذن الفجر قبيل الفجر وهو يقول "الصلاة خير من النوم", وهنا يهب من نومه في رفق (قام من مكان نومه), بينا يهب أخوه في عنف وسرعة وقوة, وما هي إلا لحظات حتى يكونا على سلم الربع متوجهان إلى الأزهر ليأخذ أحدهما درس الحديث والآخر درس الأصول.
ليلة الجمعة والصوتان الغريبان:
جاءت ليلة الجمعة واستيقظ كالعادة في أول الثلث الأخير من الليل وفي فزع وقلق من هذين الصوتين, وعادت إليه الطمأنينة مع صوت مؤذن الفجر كالعادة, ولكنه في هذا اليوم لم يقم مترفقا ولم يقم أخوه من نومه عنيفا عجلا, فلم يكن لهما في يوم الجمعة دروس في الأزهر.
أثر الصوتين على أخي الصبي الشاب الأزهري:
لم يؤثر فيه الصوتين ولم يسمعهما كما لم يسمعهما من قبل, ويبدو انه تعود عليهما حتى أنه لم يعد يتأثر بهما مطلقا.
ماذا فعل الصبي في ليلة الجمعة؟
لبث الصبي في فراشه ضيق (كارها) لهذا السكون عاجز عن الحركة, وأشفق أن يوقظ أخاه لصلاة الفجر حتى فات وقتها وانتشر ضوء الشمس في الغرفة. حتى إذا لفحت حرارتها رأسه تحرك في لطف بعيدا عنها ويخشى أن يتحرك حركة عنيفة توقظ أخاه من نومه.
كيف كان الصوتان في الصباح؟
عندما نشرت الشمس أشعتها في الغرفة أصبح في الضحى تعجب الصبي من أمر الصوتين وذلك أنهما في هذا الوقت من الصباح غير ما كانا عليه في الليل, ففي الصباح كان صوت الإنسان فاترا ( ضعيفا حلو) رفيق هادئ, أما العصا فكانت تداعب  ( تلاعب) الأرض مداعبة يسيرة.
وبدأ يسأل نفسه في عجب كيف يكون الصوت في الليل الذي يجب فيه السكون عنيفا قويا, ويكونان في الصباح حيث النشاط واليقظة هادئين رفيقين.
الحاج علي يوقظ الطلاب: (كيف يستقبل الطلاب والحاج علي يوم الجمة؟)
ارتفع الضحى ومازال الطلاب غرقى في النوم, فقام الحاج علي الرزاز بطرق أبوابهم مبتدءا بأقربهم إليه في عنف حتى ينتهي إلى غرفة أخي الصبي, وهو يصيح قائلا " هلم يا هؤلاء, أفيقوا!  إلى متى تنامون! أعوذ بالله من الكفر أعوذ بالله من الضلال! طلاب علم ينامون حتى يرتفع الضحى, لا يؤدون الصلاة لوقتها, هلم يا هؤلاء أعوذ بالله من الكفر أعوذ بالله من الضلال"
أثر صياح الحاج علي على الطلاب وأخي الصبي:
يوقظ الحاج على الرزاز الطلاب وهو يصيح فيلتفون من حوله يضحكون ويتبعونه من غرفة لأخرى, أما أخو الصبي فقد هب لأول أمره على صياح الحاج علي ولكنه لم يتحرك من مكانه فقد ظل ساكنا يغرق في ضحكات مكتومة مكظومة ( مكتوم ممسوك), كأنه يحب ما يسمع ويستزيد منه ويتمنى أن يتصل ولا ينقطع.
ولما وصل الحاج علي إلى غرفة أخي الصبي قام الفتى من مكانه وهو يضحك وفتح له الباب, فاندفع الرجل يصيح أعوذ بالله من الكفر أعوذ بالله من الضلال اللهم اصرف عنا الأذى أعذنا من الشيطان الرجيم, أمسلمون أنتم أم كفار؟! أتتعلمون على شيوخكم هدى أم ضلالا؟!"
أما الصبي فإنه في ذلك اليوم عرف مصدر الصوتين الغريبين اللذين كانا يفزعانه, فقد عرف أن الحاج على هو صاحب الصوت الذي يضطرب في سكون الليل, وأن تلك العصا التي يقرع ( يطرق) بها الأبواب هي العصا التي كانت تقرع الأرض.
من هو الحاج علي الرزاز؟
كان شيخا كبير وصل إلى السبعين من عمره, ولكنه يحتفظ بقوته الجسدية والعقلية :
أما عن قوته العقلية, فقد كان ماكر ماهر ظريف لبق.
وإما عن قوته الجسدية, فكان معتدل القامة شديد النشاط متين البنية عنيف في حركته وفي كلامه لا يعرف الهمس ولا يخفت صوته, فهو صائح دائما.
ما سبب تسميته بعلي الرزاز؟
لقد كان الحاج علي تاجر للأرز ولذلك أطلق عليه بعلي الرزاز, ولكن لما تقدمت به السن أعرض عن التجارة أو أعرضت الجارة عنه.
وهو من أهل الإسكندرية حيث ولد فيها واحتفظ بما يتميز به أهلها من قوة وعنف وصراحة وظرف, وكان له بيت في القاهرة يغل عليه ( يدر عليه) بعض المال, فسكن مع المجاورين ( طلاب الأزهر) في هذا الربع الذي لم يكن يسكنه غيرهم ورجلان من فارس وهو ( الحاج علي الرزاز).
علاقة الحاج علي بالطلاب:
منذ أن استقر الحاج علي في غرفته في آخر الربع حتى استطاع أن يلفت أنظار الطلاب بنوادره فأضحكهم وراقوه ( أعجبوه ) فاتصلت بينه وبينهم المودة المتينة النقية ( الصافية × المكدرة) اتسمت بالظرف والرقة مع بعض التحفظ ( الاحتراز ).
ما سبب هذا التحفظ؟
لقد عرف الحاج علي عن الطلاب حبهم للعلم وبعدهم عن العبث واللهو, مما جعله يحبهم, فإذا بدأ الأسبوع كان يعتزلهم ولا يسعى إليهم كأنه لا يعرفهم إلا إذا سعوا هم إليه وألحوا عليه في أن يشاركهم طعاما أو شراب الشاي.
الحاج علي ويوم الجمعة:
فإذا جاء يوم الجمعة لم يمهلهم ( ينتظرهم) ولم يخل بينهم وبين راحتهم (لم يقلق راحتهم) حتى يرتفع الضحى, ويتأكد أنهم أخذوا ما يحتاجون من النوم والراحة.
وعندئذ يبدأ بأقربهم إليه فيوقظه في عنف وضجيج ثم ينتقل إلى سائر الغرف ومعه من نبهه ( أيقظه) حتى ينتهي بغرفة أخي الصبي فيوقظه كما أيقظ بقية الطلاب, والشباب من حوله يستقبلون يوم راحتهم (الجمعة) فرحين مبتهجين مبتسمين للحياة كما ابتسمت هي لهم
طعام الجمعة:
كان الشيخ علي هو المسئول عن تدبير طعامهم فيقترح عليهم طعام الإفطار وقد يعده لهم في غرفته أو في غرفة أحدهم, كما كان يقترح عليهم طعام العشاء ويشير عليهم بما يجب أن يصنعوه لإعداد طعام العشاء, كما كان يشرف على إعداده ويقوُّم (يصلح) منه ما يمكن أن يعوج.
إفطار الجمعة:
يوم الجمعة هو يوم البطون, لهؤلاء الشبان ولهذا الشيخ الصديق, فكانوا يجتمعون إلى إفطار غزير دسم صاحب, قوامه(عماده ونظامه وتكوينه)الفول والبيض مع بعض الفطائر الجافة التي ادخروها مما كانت أمهاتهم تزودنهم به.
الفطير والشباب والأسرة:
لقد كان الفطير للشباب طعام لذيذ يأكل في الإفطار, فيقضمونه قضما ويعبئون أفواههم بالشاي ليبله ويسهل عليهم بلعه, أو يغمسونه في الشاي كما كان يوصيهم الشيخ علي الرزاز, وهو يضحكون من دعابات الحاج علي دون تذكر لآبائهم أو أمهاتهم وتحملهم الكد ( الإرهاق) والتعب والدموع من أجل تحضيره لهم.
أما بالسبة للآباء فقد كان الأب يجتهد لكسب النقود التي تعين الأم على صنعه وتهيئته وهي تتكلف الفرح, رغم حزنها الصامت وهي تعبئه ودموعها المنهمرة وهي تسلمه لمن يذهب به إلى الابن في القاهرة.
أما الصبي فكثيرا ما كان يذكر مشاعر الآباء كلما رأى تهافت هؤلاء الشباب على أكل الفطير.
طعام العشاء:
لقد كان تدبير طعام العشاء مثير حقا, فهم يتشاورون فيما بينهم في الدورة (اللقاء) الثانية أو الثالثة للشاي, ولكنه تشاور سريع بسيط, فقد كان هذا العشاء لم يشذ (لم يخرج) عن لونين من ألوان الطعام وهما أما البطاطس في خليط من الحم والطماطم والبصل, وإما القرع في خليط من اللحم والطماطم والبصل وشيء من الحمص.
إعداد طعام العشاء :
كانوا يتفقون على أقدار ما يشترون من هذه الأشياء ثم يقدرون ثمنها ثم يخرج كل منهم حصته إلا الشيخ على الذي كانوا يخرجونه من هذه الغرامة, ثم يدفعوا هذا النقد (المال) لأحدهم فيذهب لشراء الطعام, وإذا عاد نهض أحدهم إلى موقده فأوقد ناره من الفحم البلدي حتى إذا صفت جذوته ( جمرته الملتهبة /ج/ جِذاء جُذي) أقبل على الطعام يهيئه ويضعه على النار ثم يتركه وينضم إلى البقية الذين ينتظرونه وهم جلوس إلى الحاج علي أو يدرسون وهذا الطاهي يخطف نفسه بين الحين والآخر ليطمئن على الطعام, والحاج علي يلقى عليه النصائح من وقت لآخر ليعده جيدا, فإذا تم لهم نضج الطعام اجتمعوا عليه وبدأ الشيخ علي يقسم بينهم الطعام بالعدل دون ظلم لأحد.

معركة الطعام:
لقد كانت نار الفحم البلدي بطيئة طويلة البال حتى أن الطعام ينضح قرب المغرب, فإذا تم ذلك اجتمعوا إلى المائدة وكل منهم يسعى لأن يستوفي نصيبه من الطعام, وكلهم يراقب أصحابه خوفا أن يسبقوه إلى شيء أو يشنطوا عليه ( يجوروا عليه ويظلموه) ومع ذلك فالكل يستحي أن يظهر منه هذا الحرص ولكن الحاج علي كان يفضحهم بصراحته التي تغني عن صراحتهم, وتكشف عن حرصهم, فكان يراقبهم جميعا وهو يقسم الطعام بينهم بالعدل حتى لا يجور أحدهم على الآخر, فكان يعلن ذلك صاخبا كعادته منبها أحدهم أنه يخدع نفسه عن قطعة البطاطس بقطعة لحم, ومنبها آخر إلى أنه يسرف على نفسه وعلى أصحابه فيما يغترف في هذه اللقمة الغليظة من سائل الطعام أو جامده, وهو يطلق كلماته في هزل يضحكهم ويسليهم دون أن يجرحهم أو يؤذي حياءهم.
الصبي ومعركة الطعام:
كان الصبي إذا سمع مشاورة الشباب حول طعام العشاء فإنه يحس انقباضا وخجلا ولكنه عندما تقدمت به السن أحس بحنان لذكراه وتعجبا من نفسه.
أما أثناء الطعام فقد كان يجلس بينهم خجلا وجلا (خائف) مضطرب النفس في حركة يده لا يحسن ( لا يجيد) أن يقطع لقمة خبز أو أن يغمسها في طبق أو أن يضعها في فمه, وهو يظن أن عيونهم تلحظه ( تراقبه وتنظر إليه) وبخاصة عين الشيخ علي, فيؤدي ذلك لارتعاشه واضطرابه فيسقط المرق على ثوبه.
ولكن الصبي يظن أن هؤلاء الشباب كانوا في شغل عنه بأنفسهم وضحكاتهم, ويدلل على ذلك أنهم كانوا يفكرون فيه ويحرضونه على الطعام بل غنه يقربون له ما لا تصل إليه يده مما يزيده اضطرابا وخجلا.
ما أثر هذه المعركة على نفس الصبي أثناء وبعد العشاء؟
أثناء العشاء كانت هذه المعركة مصدر ألم واحزن لقلبه فكان يشعر بالاضطراب والخجل مما يجعل يده ترتعش ويسقط الطعام علي ملابسه, أما بعد العشاء فقد كانت مصدر تسلية وسرور حيث كان كثيرا ما يضحك على هذه المعركة إذا خلا بنفسه وتذكر ما يفعله هؤلاء الشباب.
أثر هذا الطعام على  فقراء الربع:
يظن الصبي أنه كان في هذا الربع من الزملاء والعمال ما تقصر أيديهم ( يمنعهم فقرهم) عن صنع طعام مماثل لهم أو لأولادهم ونساءهم, ويظن كذلك أن هذا الحرمان كان ينقلب على هؤلاء الرجال العمال من نسائهم هما ثقيلا, بل يظن أن هؤلاء المحرومين كانوا يجدون لهذه الروائح لذة مؤلمة أو ألما لذيذا لفقرهم وحرمانهم.
صفات الحاج علي الرزاز:
لقد كان شيخا كبيرا يتكلف ( يتصنع) التقوى والروع, وذلك انه كان يبدأ يومه بالتسبيح والتهليل في الثلث الأخير من الليل, ثم يصلي الفجر جماعة في مسجد سيدنا الحسين, ثم يرجع مغمغما مداعبا الأرض بعصاه ويظل في غرفته فإذا وجبت بقية الصلوات أداها في غرفته جاهرا بالتكبير والقراءة والتسبيح.
وكان إذا خلا إلى أصحابه من الشباب على طعام أو شاي كان أسرع الناس خاطرا وأعظمهم نكتة وأطولهم لسانا وأخفهم دعابة وأشدهم تتبعا لعيوب الناس, وأعظمهم إغراقا في الغيبة, لا يتحفظ في لفظه قط ولا يتحرج أن يخرج كلمة نابية أو حتى أشنع الألفاظ, فكان غارقا في البذاءة والألفاظ والمعاني والصور القبيحة.
الشباب وأخلاق الحاج علي:
كان الشباب يحبون الحاج على لهذا اللهو, كأنه كان يخرجهم من أطوار الدر ويريحهم من جد العلم والدروس, ويفتح لهم بابا من اللهو ليس لهم أن يلجوه ( يدخلوه) حينما كانوا يخلون إلى أنفسهم, بل لم يستطيعوا ذلك حينما كانوا يجلسون إلى الحاج على فيصب عليهم هراءه (كلامه القبيح) بغير حساب.
فكانوا يسمعون منه ويضحكون له حتى تكاد جنوبهم تنقد ( تنشق وتتقطع) من الضحك, ورغم ذلك لم يكونوا يعيدون كلماته البذيئة (القبيحة الفاحشة) أو لفظا من ألفاظه النابية, فقد كانوا يستمتعون بذلك اللهو من بعيد, ولا يبيحون ( يسحون) لأنفسهم ولا تسمح لهم ظروفهم ان يقتربوا من ذلك اللهو القبيح.
اختلف الشباب عن كثير من زملائهم فكيف كان ذلك؟
صحيح أن الشباب يسمعون للحاج علي ويضحكون من بذاءته وألفاظه الفاحشة إلا أنهم
امتازوا عن غيرهم من زملائهم وأقرانهم بكظم الشهوات ( إمساكها والتحكم فيها) ومعاملة النفس بشدة وقسوة تمكنهم من المضي في درسهم على وجهه (كما ينبغي) وتردهم عن التورط( الوقوع) فيما سقط فيه الكثير من زملائهم من العبث السهل الذي يفل العزم ( يضعفه, ويكسره) ويفسد الأخلاق.
موقف الصبي من هذه الدعابات الفاحشة:
لقد كان الصبي يسمع لذلك كله وستعجب ويسأل نفسه كيف يجتمع لهم طلب العلم والجد مع هذا التهالك ( الإقبال الشديد) على الهزل والتساقط على السخف (ألقاء النفس فيه) في غير تحفظ ولا حيطة
وعاهد نفسه أنه إذا ما وصل إلى سن هؤلاء الشباب الذين يكبرهم (يعظمهم) ويقدر ذكاءهم ألا يسير سيرتهم وألا يسقط تساقطهم.
نهاية وفراق :
عاش الجميع في سعادة أعواما طويلة مع هذا الشيخ وشب ( وصل سن الشباب) الصبي في هذه الحياة الضاحكة بفضل الحاج علي على الرغم مما كان يعترضه من أسباب الألم والأسى.
ثم تفرق الجميع وذهب كل منهم إلى وجهته, وتركوا الربع واستقروا في أطراف المدينة وقلت زياراتهم للشيخ ثم انقطعت.
موت الشيخ على الرزاز:
وفي أحد الأيام حمل أحد أفراد هذه الجماعة نعي الشيخ, فحزنوا له جميعا ولكنه حزن لم يصعد إلى عيونهم ولا حتى وجوههم, وأخبر أن آخر ما نطق به الشيخ وهو يحتضر هو دعاء لأخي الصبي
فرحم الله هذا الرجل, فعلى الرغم من ظله الثقيل على نفس الصبي إلا أن ذلك تحول بعد موته إلى حنانا عليه وطلب للرحمة له.
إياك والحسد!! 
فهو أول جريمة في السماء وأول جريمة في الأرض


مناقشة الفصيح
س1) "والصبى فى أثناء هذه المعركة الضاحكة خجل وجل مضطرب االنفس .... يخيل أن عيون القوم جميعًا تلحظه وأن عين الشيخ خاصة ترمقه".
1- المعركة الضاحكة كانت حول (الطعام - المسجد الأزهر - علماء الأزهر)
2- مرادف وجل (حَرِج - خائف - مريض)
3- عيون القوم هى (طلاب الأزهر - علماء الأزهر - أهل الربع)      
 س2) "وقد ارتاع الصبى لهذا الصوت أو لهذين الصوتين حين سمعهما لأول مرة وأتعب نفسه فى التفكير فيهما والبحث عن مصدرهما ولكنه لم يظفر من بحثه بطائل..."
أ- هات مرادف (ارتاع) ومضاد (أتعب)       
ب- لماذا لم يظفر الفتى بطائل من بحثه عن مصدر الصوتين؟          
جـ) كيف وصل الصبى إلى مصدر الصوتين؟          
س3) "ويد هذا الصوت تقرع الباب وعصاه تقرع الأرض ومن حوله ضحكات ترافقه وقد هب الشيخ الفتى لأول نبأة ولكنه ظل فى مكانه ساكنًا ثابتًا يغرق فى ضحك مكتوم مكظوم...."
أ- هات مرادف (هبَّ) ومضاد (يتصل)          
ب- مَنْ صاحب الصوتين؟ وما سماته؟           
جـ- هل كان الصبي راضيًا عما كان عليه الطلاب والشيخ على؟       
               
       
       
       

5- الإمام محمد عبده والأزهر
الشاب الفكاهي (ساكن الغرفة):
كان يسكن بجوار الشباب في غرفة على شملك وأنت صاعد السلم شاب مجاور كان مصدر فكاهة ودعابة لهؤلاء الطلاب.
صفات الشاب:
كان الشباب أكبر منهم قليلا وأقدم منهم في الأزهر ولكنه من جيلهم وطبقاتهم, وكان نحيف الصوت بحيث يكفي أن تسمعه لتضحك منه.
وكان قليل الذكاء ضيق العقل بحيث لا يستقر العلم في رأسه, لأن عقله كان محدود محصور, فلم يستطع أن ينفذ إلى ما وراء ما كان يقرأه في الكتب على اختلافها (تنوعها).
ورغم ذلك فقد كان واثقا من نفسه يطمع في مستقبل كبير في غير تكلف (تصنع),
دروس الشاب:
كان الشاب يشارك أصحابه الذي يعيش معهم أكثر ما يختلفون إليه (ترددون) من الدروس, فكان يحضر درس الفقه والبلاغة ودروس الأستاذ الشيخ محمد عبده, ولكنه لم يكن يحضر درس أصول الفقه, لأنه يقتضيه ( يلزمه) أن يخرج من غرفته مع الفجر, ولكنه كان يؤثر الراحة ضنينا بها(بخيلا /ج) أضناء).
الشباب وكتب ومناهج الأزهر:
كان هؤلاء الشباب يضيقون بكتب الأزهر, متأثرين في ذلك بآراء الأستاذ محمد عبده في كتب ومناهج الأزهر, الذي كان يدلهم كلما حضروا درسه أو زاروه في بيته على أسماء كتب قيمة في النحو والبلاغة والتوحيد والأدب .

موقف الطلاب من الكتب التي يدلهم عليها الأستاذ محمد عبده:
وكان الطلاب يسرعون إلى شراء ما يذكر من كتب إذا استطاعوا ذلك, حتى أنهم كانوا
يتحملون مشقة بالغة, وحرمانا شديدا في تدبير ثمن هذه الكتب, فإذا تعثر عليهم الأمر استعاروا هذه الكتب من مكتبة الأزهر وأقبلوا عليها يدرسونها ويتعاونون على فهمها.
الشيوخ وآراء الأستاذ محمد عبده في الكتب:
كانت هذه الكتب بغيضة (مكروهة) لكثير من شيوخ الأزهر, لأنهم لم يألفوها,وربما اشتد بغض بعضهم لها لمجرد أن الذي نوه بها ( رفع من ذكرها وعظمها) هو الأستاذ محمد عبده.
ولكن كان هناك من الشيوخ الأعلام (المشهورين) المنافسين للأستاذ محمد عبده من كان يدل طلابه على كتب قيمة أخرى أيضا.
حب وغرور الشباب:
لقد تحمل هؤلاء الشباب مشاق شراء هذه الكتب يدفعهم في ذلك حبهم الصادق للأستاذ الإمام ورغبتهم في العلم والاطلاع, وربما دفعهم إلى ذلك غرور الشباب, فقد كانوا يفخرون بين زملائهم أنهم من تلاميذ الأستاذ محمد عبده والشيخ بخيت والشيخ أبي خطوة والشيخ راضي.
بل كانوا يملأون أفواههم فخرا بأنهم ليسوا مجرد تلاميذ لدى هؤلاء الأعلام بل هم من التلاميذ المقربين المصطفين.
دلل على صدق حب هؤلاء الطلاب لأساتذتهم وللعلم.
لم يكتف هؤلاء الطلاب بحضور الدرس في الأزهر لهؤلاء الشيوخ الأعلام, بل كانوا يزرون شيوخهم في بيوتهم, وربما شاركوهم في بعض البحث, وربما يستمعون منهم دروسا خاصة في يوم الخميس بعد صلاة الظهر أو بعد صلاة العشاء.

أثر هذا الحب على الطلاب:
لقد كان لهذه المعاملة وهذا الاجتهاد من هؤلاء الطلاب أكبر الأثر في وصولهم لشيء من الامتياز بين زملائهم, حتى عرف الأزهر كله أنهم أنجب طلابه وأخلفهم (أجدرهم) بالمستقبل السعيد, ومن أجل ذلك سعى إليهم الأوساط (المتوسطون) من الطلاب الذين يلتمسون التفوق, والامتياز حين يعرف عنهم أنهم أصدقاؤهم وأصفياؤهم, ويلتمسون بهم الوسيلة للتقرب من كبار الشيوخ والعلماء والأساتذة.
صاحبنا من الأوساط:
وكان صاحبنا (ساكن الغرفة) من الطلاب الأوساط, اتصل بهؤلاء الشباب ليقول زملاؤه انه واحد منهم, وليستطيع أن يصحبهم في زياراتهم للأستاذ الإمام أو الشيخ بخين
أثر هذا الغرور والامتياز على هؤلاء الطلاب:
كان غرور الشباب يحبب إلى هذه الجماعة هذا النوع من الامتياز, كما كان يهون عليهم قبول هؤلاء الطفيليين في العلم من ضعاف الطلاب وأوساطهم, كما كان يتيح لهم أن يحصوا (يقدروا) على هؤلاء الطفيليين سخافاتهم وجهالاتهم وأغلاطهم الشنيعة ثم إذا خلوا إلى بعضهم ذكروا هذه السخافات وضحكوا منها.
كيف تعرف صاحبنا على هذه المجموعة:
أكبر الظن أنه تعرف عليهم من خلال بعض الدروس ثم بدأ يدني ( يقرب) نفسه منهم حتى زارهم ثم أعجبه الربع وجوارهم فاتخذ لنفسه غرفة بجوارهم, وأصبح واحدا منهم يشاركهم في الدرس والشاي والزيارات, ولكنه لم يفتح الله عليه قط فيشاركهم في العلم والفهم والإيضاح والإبانة (الإفصاح).
حال الشاب الطفيلي (صاحبنا) :
لقد كان هذا الشاب أوسع منهم يدا, وأكثر منهم مالا, وكان يقتر( يبخل) على نفسه إذا خلا غليهم, فإذا اتصل بأصحابه وسع على نفسه وأنفق, وإذا رأى بهم حاجة إلى المال لشراء كتاب أو أداء دين عاجل أو قضاء حاجة ملحة كان يقدم لهم ما يحتاجون من المال في رفق وتلطف.
كيف قابل هؤلاء الشباب إحسان صاحبنا؟
كانوا يشكرون له هذا ولكن لم يكونوا يطيقون جهله, وربما لم يملكوا أنفسهم فضحكوا من جهله في حضرته وردوا عليه ردا عنيفا فيه كثير من الازدراء (الاحتقار) القاسي, ولكنه كان يقبل ذلك راضيا مبتسما, ولم يغضب منهم يوما على كثرة ازدرائهم له والغض منه (الحط من قدره)
ساكن الغرفة (صاحبنا) وعلم العروض:
كان أجمل ما يتندرون عليه به علمه أو جهله بعلم العروض( وهو علم يدرس موسيقى الشعر), وجهله وعلمه أو جهله بهذا العم هما سواء, فقد كان يطالع معهم كتابا في النحو وكلما ظهر لهم شاهدا نحويا (دليل /ج/ شواهد) حتى يكون أسرعهم إلى رد هذا البيت الشاهد إلى أبحر الشعر (أوزان الشعر وتفعيلاته التي تصنع موسيقى الشعر), وكان دائما ما يرد جميع الشواهد إلى بحر البسيط, حتى وإن كان البيت من بحر الطويل أو الوافر فهو عنده من بحر البسيط.
والأشد غرابة من ذلك أنه لم يكتف بإعلانه بأن هذا البيت الشاهد من بحر البسيط بل كان يسرع إلى تقطيعه ورده إلى بحر البسيط مهما كان وزنه.
أثر جهل صاحبنا بالعروض على الطلاب:
كان كلما ورد بيتا شاهدا على قضية نحويا أسرع برده إلى بحر البسيط وأسرع إلى تقطيعه بغض النظر عن وزن البيت طويلا أم وافر أم غير ذلك, مما كان يقطع على الطلاب درسهم ويدفعهم إلى ضحك متواصل لا يتوقف.
هذا الأمر أطمع الطلاب في هذا الشاب حتى إذا ظهر لهم شاهدا أظهروا العجز في رده إلى بحره فأسرع ورده إلى البسيط, ثم يزيدون الأمر فيظهرون العجز على تقطيع البيت فأسرع في تقطيعه على وزن البسيط, وهنا يستأنفون الضحك والاستهزاء به, وهو يلقاهم بوجه باسم رضٍ لا يعرف الغضب أو الغيظ
ما رأيك في تصرف الطلاب مع هذا الشاب؟ (شغل عقلك وبلاش كسل حتى في التفكير!!)
.....................................................................................................................................................................................................................................................................................................................
يأس صاحبنا :
عاش صاحبنا مع الطلاب سنوات طوال على هذا الحال لا يغضب منهم ولا يغضبون منه, حتى أحس أنه ليس من تلك الحلبة (ميدان السباق في العلم) ولا يستطيع مجاراتهم في ذلك الميدان, فأصبح يتخلف عن الدرس قليلا قليلا ويتكلف التعلات (م/ تعلة وهي ما يتعلل به الإنسان ويشتغل به) والمعاذير ( الحجج /م/معذرة) وأصبح لا يشاركهم إلا الشاي والطعام أحيانا ويشاركهم الزيارات دائما.
عطف صاحبنا على الصبي:
وبعد ان تقدم به السن والدرس بدأ يظهر العطف على هذا الصبي وعرض عليه أن يقرأ معه الكتب وبدأ يعرض عن مشاركة أقارنه وأنداده (أمثاله /م/ قِرن – ند) إلى مشاركة هذا الغلام الناشئ, وقرأ الغلام معه كتبا في الحديث والمنطق والتوحيد, ولكنه لم يجد في هذا الصبي غناء (نفعا) ولم يكن الغلام فارغا للضحك والتندر, فهو لا يقدر على ذلك ولا يحبه, فاحتال (تلمس حيله) صاحبنا في النهاية حتى تخلص من هذا الصبي ومضى لشانه.
الارتقاء الاجتماعي للشباب:
ظل الشاب محسوبا على الأزهر رغم أنه ترك العلم أو تركه العلم, ولكنه ظل مشاركا لأصحابه على الناحية الاجتماعية من حياتهم.
فقد ارتقت حياتهم الاجتماعية بعض الشيء, نتيجة فضل الله عليهم ثم ذكاؤهم وجهدهم وتفوقهم ورضا الأستاذ الإمام عنهم وتقريبه لهم.
أثر هذا الارتقاء على الطلاب وصاحبنا
ونتيجة لذلك فقد اتصل الطلاب بأبناء الأثرياء الذين كانوا يدرسون في الأزهر, فاتصلت الزيارات بينهم وبين الشباب وصاحبهم معهم, ترتقي حياته الاجتماعية كما ارتقت حياتهم, ولكنهم اختلفوا في الشعور بهذا الارتقاء:
فالطلاب لم يحسوا بهذا الارتقاء وبالتالي لم يتحدثوا به ولم يتمدحوا به, بل كانت نظرتهم له على أنه شيء طبيعي ومألوف نتيجة التعب والجهد والتفوق.
أما صاحبهم, فقد رأى في هذا الارتقاء وهذه الزيارات المجد كل المجد وكان يستمد منه الغبطة (تمنى النعمة من غير زوالها من عند صاحبها) والغرور, ويستغله لبعض منافعه المادية أحيانا ويتحدث به دائما إلى من أراد أن يسمع له ومن لم يرد الاستماع.
فراق الطلاب:
ومضت الأيام وافترق الطلاب وأخذ كل منهم طريقه في الحياة, ولكن هذا الرجل (صاحبهم) لم ينساهم ولم يسمح لهم أن ينسوه, فإن كان عجز عن تتبعهم في العم فليتبعهم في شيء آخر, فكان يزورهم وإن لم يزوروه ويلقاهم في زياراتهم عند أصحاب المنزلة والأثرياء.
فضيحة ساكن الغرفة صاحب الطلاب:
خرج الإمام محمد عبده من الأزهر في محنة سياسة معروفة, فاتصل صاحبنا بالأستاذ وشيعته ( أتباعه وأنصاره) وكذلك اتصل بخصومه وشيعتهم, حتى أخذ الأزهر يضطرب من هذه المحنة ودخلت السياسة في ذلك الاضطراب واختصمت فيه السلطتان, فاتصل صاحبنا بالمضربين وشاركهم في الإضراب, واتصل بخصومهم مفشيا اسرارهم, وذات يوم انكشف صاحبنا وعُرف أنه متصل بالمحافظة فتقطعت كل الصلات بينه وبين أصدقائه قطعا عنيفا.

ما أثر كشف حقيقة الرجل (ساكن الغرفة) عليه؟
فتقطعت كل الصلات بينه وبين أصدقائه قطعا عنيفا فأصبح يرد عن كل بيت ولا يستقبله أحد, حتى قبع في غرفته بالربع, وقد خسر كل الناس ولم يخسره أحد, حتى أنه قصرت همته عن درجة الأزهر فأنفق حياته خاملا بائسا وحيدا يتحمل حياته على مضض (ألم) يتكسب حياته بمشقة.
وفاة صاحب الغرفة:
وذات يوم جاء أصحابه خبر موته, فلم يأخذهم وجوم(صمت وحزن) ولا مس نفوسهم حزن, وغنما تلوا تلك الآية التي نتلوها دائما حين ينعى إلينا الناس }أنا لله وإنا إليه راجعون{
كما لم يشغلوا بالهم كيف مات, أمات من علة أم من الحرمان أم من الحسرة؟ لا يعرفون ولم يحاولوا أن يعرفوا.
هل تسبب هؤلاء الطلاب فيما وصل إليه هذا الشاب؟ وضح ما تقول.
.....................................................................................................................................................................................................................................................................................................................
مناقشة الفصيح
1- وكانوا قد وصلوا بهذا كله إلى شىء ظاهر من الامتياز بين زملائهم حتى عرفوا فى الأزهر كله بأنهم أنجب طلاب الأزهر وأخلقهم بالمستقبل السعيد.
1- اختر مما بين القوسين:
- مرادف أخلقهم (أجدرهم - أكثرهم خلقا - أقدمهم)
- مقابل (أنجب) (أغبى - أكسل - كلاهما صحيح)
- المستقبل اسم (زمان - مفعول - مكان)       
2- ما المقصود بهذا كله؟ وماذا عرف عنهم الأزهر؟
3- ما رأي الشيخ الأستاذ محمد عبده في مناهج الازهر؟ وما أثر ذلك على الطلاب؟
3- "ويظهر أنه كان أوسع منهم يدًا وأكثر منهم مالاً أو قل إنه كان يُقتر على نفسه إذا خلا إليها ....."
1- اختر مما بين القوسين:
- العبارة تتحدث عن (الشاب الأزهرى - الكاتب - الإمام محمد عبده)
- مرادف يقتر (يبخل - يحرم - يحاسب)
- مضاد خلا إليها (انصرف عنها - أقبل عليها - اشتاق إليها)  
2- من المقصود في هذه العبارة؟ وكيف بدأت حياته مع الشباب وكيف انتهت؟
3- كيف ساعد هؤلاء الشباب في وصول هذا الشاب لما وصل إليه؟
س3: (كان يشهد معهم درس الفقه ودرس البلاغة ودرس الأستاذ الإمام ولم يكن يخف لدروس الأصول، لأن هذا الدرس كان يقتضيه أن يخرج من غرفته مع الفجر وقد كان لراحته مؤثراً وبها ضنينًا).
1- هات مرادف (يخف) ومضاد (ضنينًا)        
2-لماذا كان الشاب يتخلف عن دروس الأصول؟         
3-ما صفات الشاب الذى تتحدث عنه العبارة؟   
س4) "وقد تقدمت السن بالصبى، وتقدم به الدرس أيضًا، وإذا بهذا الشاب يظهر العطف عليه والقدر له، وإذا يعرض عليه أن يقرأ معه (الكتب ويعرض عن مشاركة أقرانه وأنداده".
1- هات مرادف (القدر له) ومفرد (أنداده)        
2- لماذا انصرف هذا الشاب عن أصدقائه وأقبل على الصبي؟   
3- لماذا لم تستمر العلاقة بين الصبي وبين هذا الشاب؟       
4- ما رأي هذا الشاب في الاتصال بطبقة الأثرياء؟ وما رأي أصحابه؟
لا تنس الدعاء
فبه قضاء الحاجات, ونجاة من المهلكات
وكنز لك يوم يقوم الأشهاد

سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم

تحرير الرسالة…

التسميات |

هل تريد التعليق بدون استخدام الفيسبوك؟

...يمكنك التعليق بدون تسجيل

اخر التعليقات

اخر المواضيع

ابعت لينا اي رسالة

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *